يرتجف القلم حين يقف عند مقام الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري التهامي رضي الله عنه؛ فليست الكتابة عنه مجرد سردٍ لتاريخ رجل، بل هي وقوفٌ أمام صفحةٍ من أنصع صفحات رجال صدر الإسلام، صفحةٍ كأنها سُطِّرت بأحرفٍ من نور. صفحةُ السابق إلى الإيمان في أيام الاستضعاف الأولى، والمهاجر هجرتين في سبيل العقيدة، والداعية الذي لم يأتِ إلى الإسلام فردًا فحسب، بل جاء بقومه يحملهم إلى نور الرسالة.

إننا أمام رجلٍ جمع من خصال المجد ما قلَّ أن يجتمع في غيره. القارئ الذي طرب النبي ﷺ لحسن صوته بالقرآن فقال له: "لقد أوتيتَ مزمارًا من مزامير آل داود". والقاضي الذي كتب إليه الفاروق عمر بن الخطاب إحدى أعظم الرسائل القضائية في تاريخ العدالة الإسلامية. والوالي الذي عُرف بالعدل والزهد وتعليم الناس كتاب الله. والقائد الذي كانت له في جبهات الفتح الكبرى صولاتٌ وجولات، من أهواز خوزستان إلى تستر المنيعة إلى أصبهان قلب الإمبراطورية. وما بين هذا كله وذاك، فارسٌ اكتسب لقبًا لم يُمنح لأحد، إذ نعته رفاقه ومن جاء بعدهم بـ "سيد الفوارس" ، ليس لأنه كان أشجع من طوى جسده على خوف، بل لأنه كان أشجع من جمع في صدره القرآنَ والسيف معًا، ولم يتخلَّ عن أحدهما يومًا.

إن قراءة سيرة سيدنا التهامي العملاق أبي موسى الأشعري رضي الله عنه تكشف عن شخصيةٍ مركبة نادرة في تاريخ الإسلام: فارسٍ قارئ، وقاضٍ زاهد، وواليٍ معلّم، وداعيةٍ قائد، وحكيمٍ لا يطلب الدنيا بالدماء. رجلٌ جمع شدةَ الإيمان ورقةَ القلب معًا، ثم خرج بهما إلى ميادين كانت تحتاج كليهما. ولهذا لم يكن اسمه مجرد اسمٍ في كتب التراجم، بل كان مدرسةً كاملة في القيادة والعلم والخلق، وأحد الوجوه المشرقة التي حملت روح تهامة إلى قلب الدولة الإسلامية في عصرها الأول.

 

 

الجذر: النسب والمنبت التهامي اليماني
هو عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب من الأشعريين. يمتد نسبه في عمق التاريخ العربي القحطاني إلى الأشعر من الأزد من قحطان، وهو من القبائل التهامية اليمانية العريقة التي ضرب إسلامُها بجذوره في أرضٍ كان الثناء النبوي عليها متقدمًا: "الإيمان يمانٍ، والحكمة يمانية".

ومن جهة الأم، تُذكر في التراجم أمه ظبية بنت وهب العكية، فيثبت له بذلك نسبٌ من جهة الأخوال إلى عك، وهي من القبائل التهامية القديمة الضاربة بجذورها في أعماق التاريخ. وبهذا فهو ابن تهامة من أبيه وأمه، حتى قبل أن يكون ابن الإسلام بما حمله من علمٍ وجهاد.

وبلاد الأشاعرة هي الفضاء الممتد من وادي رماع إلى وادي زبيد إلى المخا وبني مجيد وذباب. فضاءٌ يغلب عليه الوجدان واللين والحكمة، بيئةٌ لم تكن قاسيةً جافة، بل بيئةٌ تُنضج في أبنائها ذلك الجمع النادر بين رقة القلب وصلابة الموقف. ويقول الشاعر في بني مجيد من الأشاعرة:

أحبُّ الأشعرين لحبِّ ليلى --- وأكرمُهم عليَّ بنو مجيدِ

وهذا الأصل ليس تفصيلًا ثانويًا. ففهم أبي موسى يبدأ من هنا: من بيئةٍ أكسبته اللين دون ضعف، والحزم دون قسوة، والصدق دون تكلف. ثم جاء الإسلام فصقل ذلك كله وأضاء عليه، فخرج منه رجلٌ لا يُعرَّف بصفةٍ واحدة ولا يُختزل في دورٍ وحيد.

الميلاد والنشأة: طفلٌ يشدّ الرحال نحو الحق
لا تملك المصادر المبكرة سنةً دقيقةً لمولده، لكن الثابت أنه وُلد في الجاهلية بتهامة، وأدرك الإسلام في مرحلة مبكرة جدًا. ونشأ في بيئةٍ تهامية عربيةٍ خالصة، قريبةٍ من الفطرة، ثم بدت عليه مبكرًا صفات الرجولة الناضجة: حبُّ البحث، والقدرة على التمييز، وسرعةُ الاستجابة للحق، والقابليةُ للقيادة.

لم يكن من أولئك الذين ينتظرون حتى تأتيهم الحقيقة إلى بيوتهم؛ بل من أولئك الذين يشدون الرحال إليها. وهذا الفرق ليس تفصيلًا في السيرة، بل هو السيرة كلها مختصرةً في جملة.

الإسلام: السابق في أيام الاستضعاف
أسلم أبو موسى في بدايات الدعوة الإسلامية بمكة، في تلك السنوات القاسية التي كانت فيها الدعوة تُعلَن في الخفاء أو في بدايات الجهر، وكانت فيها تكاليف الإيمان باهظة على كل من دخله. أسلم في الفترة بين عامَي 610م و615م تقريبًا، أي قبل هجرة الحبشة الأولى. قدم مكة من تهامة، وحالف أبا أحيحة سعيد بن العاص، والتقى بالنبي ﷺ، فرأى فيه ما يُروي ظمأ الروح التي جاءت تبحث، فأسلم.

ولم يكتفِ بإسلامه الشخصي. عاد إلى قومه في تهامة داعيةً ومبلّغًا ومربيًا، فأسلم معه عددٌ كبير من الأشعريين والعكيين. وهكذا لم يكن أبو موسى في الإسلام مجرد فردٍ مؤمن، بل كان جسرًا بين النبوة وتهامة، ومن هنا نفهم لماذا كان في سيرته دائمًا أكبر من فرد.

الناس في أوائل الدعوات يتفاوتون: منهم المتردد، ومنهم الخائف، ومنهم المتفرج، ومنهم من يسبق لأن قلبه أصفى وبصيرته أنفذ. وكان أبو موسى من هذا الصنف الأخير.

الهجرتان: لونان من التضحية ولونان من الأجر
من مناقبه التي لا تُذكر كما ينبغي أنه من أهل الهجرتين. خرج مع جماعة من الأشعريين، قيل في بعض الروايات إنهم كانوا نحو خمسين أو بضعًا وخمسين رجلًا، قصدوا المدينة، فحملتهم الريح والسفينة إلى الحبشة، فالتقوا هناك بجعفر بن أبي طالب رضي الله عنه والمهاجرين الأوائل.

ثم قدموا إلى المدينة في زمن خيبر. ولما وصلوا، قال لهم النبي ﷺ: "لكم الهجرة مرتين: هاجرتم إلى النجاشي، وهاجرتم إليّ".

شهادةٌ عظيمة. لا تعني مجرد انتقال جغرافي مرتين، بل تعني تضاعف الابتلاء وتضاعف الأجر. والهجرة في صدر الإسلام لم تكن سفرًا مريحًا، بل كانت اقتلاعًا من البيئة وتحملًا للغربة وتعريضًا للنفس للمجهول. فمن جمع هجرتين فقد جمع لونين من التضحية، ولونين من الصبر، ولونين من الصدق.

الأشعريون: قومٌ قال فيهم النبي ﷺ "فهم مني وأنا منهم"
أبو موسى لم يكن صحابيًا منفردًا عن سياقه القبلي. كان رجلًا جاء بقومه، والأشعريون في الإسلام قصة وفاءٍ ومواساةٍ ورقة قلبٍ مشهورة.

وفي الأحاديث الصحيحة ثناء النبي ﷺ عليهم: "إنهم إذا أرملوا في الغزو أو قلّ طعام عيالهم جمعوا ما عندهم في ثوبٍ واحد ثم اقتسموه بينهم في إناءٍ واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم".

هذا الثناء الجماعي يضيء شخصية أبي موسى إضاءةً بالغة. فهو ابن هذه المدرسة الاجتماعية: مدرسة الإيثار والتكافل واللين وصدق الإيمان. ولذلك لم يكن غريبًا أن يكون قريبًا من الناس في ولايته، حسن التعليم في مسجده، حريصًا على الجماعة، شديد الكراهية للدماء بين المسلمين. إنه رجلٌ حمل معه إلى المدينة أفضل ما في قومه، ثم زكّاه الوحي.

في العهد النبوي: قارئٌ مجاهدٌ ومحلُّ ثقةٍ نبوية
حين دخل أبو موسى المدينة، دخل سريعًا في المجال النبوي المباشر: تعلمًا وصحبةً وجهادًا وولايةً.

كان من أحسن الناس صوتًا بالقرآن. وقد روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ سمعه يقرأ ليلًا فوقف عند بابه يستمع طويلًا، ثم قال في الغد: "لقد أوتي هذا مزمارًا من مزامير آل داود". فلما بُلِّغ أبو موسى قال: لو علمتُ أنك تسمع لحبَّرته لك تحبيرًا.

هذه كلمة تحمل سرًا: "لحبَّرته لك تحبيرًا". رجلٌ يقرأ القرآن في الليل لأن قلبه يحتاجه، لا لأن أحدًا يسمعه. ثم يقول: لو كنت تسمع لزدت. فكم للخلوة الصادقة من جمالٍ يفوق كل عرض!

وفي وقعة أوطاس بعد حنين، قاتل أبو موسى قتالًا شديدًا، وقتل الرجل الذي أصاب عمه أبا عامر الأشعري. ثم رجع إلى النبي ﷺ يُخبره بمقتل عمه، فدعا له النبي ﷺ دعاءً مخصوصًا: "اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلًا كريمًا". دعاءٌ لا يُقال في كل أحد. شهادةٌ بمقامٍ، لا مجرد كلمة عزاء.

ولثقة النبي ﷺ فيه، ولاه على قومه من تهامة حتى عدن، وأوصاه ومعاذ بن جبل بالتيسير والتبشير والتعاون. وهذه الولاية الأولى على تهامة ليست مصادفة، فالنبي ﷺ كان يضع الرجل في المكان الذي يعرف أنه يُصلح فيه ويُثمر.

سيد الفوارس: اللقب وما وراءه
لم يكن لقب "سيد الفوارس" الذي عُرف به أبو موسى الأشعري مجرد إطراءٍ خطابي أو تعظيمٍ شعري، بل كان وصفًا لحالةٍ شهدها رفاقه قبل أن يصفها أحد.

فارسٌ في الميدان: طوى خوزستان، وحاصر تستر ثمانية عشر شهرًا، وقاد الأحنف وجيوش البصرة إلى قلب أصبهان، وأمّن خاصرة الخلافة البحرية من مضيق هرمز إلى سواحل فارس. وفارسٌ في القرآن: لا يُرفع سيفه إلا بعد أن يُتمّ ورده. وفارسٌ في القضاء: كتب عمر إليه وحده الرسالة الكبرى في أصول العدالة من بين كل ولاة الأمصار.

الفروسية عند أهل التراث لا تعني الشجاعة وحدها. تعني الاكتمال. أن يكون الرجل في موضعه إذا جلس، وفي موضعه إذا قام، وفي موضعه إذا قاتل، وفي موضعه إذا عفا. وأبو موسى كان هذا كله.

ولعل أعمق ما في هذا اللقب أنه جُمع فيه ما يبدو للنظر الساذج متضادًا: الفروسية والزهد. فالفارس في ظن الناس يُحب الجاه والمقام. والزاهد يرفضهما. أما أبو موسى فكان فارسًا يحارب ليرفع راية، لا ليأخذ غنيمة. وحين خرج من البصرة بعد عزله، ما خرج إلا بستمائة درهم من عطاء عياله. ستمائة درهم! هذا ما أخذه رجلٌ حكم ثغرًا وقاد جيوشًا وفتح إمبراطورية.

البصرة: الثغر الذي صار مدرسةً
ولاّه عمر البصرة سنة 17 هجرية، بعد أن عزل المغيرة بن شعبة. ولم تكن البصرة مدينةً سهلة؛ كانت ثغرًا عسكريًا، ومركزًا استراتيجيًا، ومجتمعًا ناشئًا يضج بالعرب والفرس والموالي والجند، وميدانًا للاحتكاك بين حضارتين عظيمتين في لحظة انتقالهما.

فما فعل أبو موسى؟

علّم الناس القرآن وفقّههم قبل أن يرفع سيفًا. نظّم حلق التعليم في المسجد، وبث الفقه في الناس، وأدار شؤون القضاء بما جعل البصرة تُقال عنها: دار القراء. وحفر قناة أبي موسى لتأمين الماء وتنمية المدينة. إذن هو رجل عمران قبل أن تشتعل الجبهات.

ثم كتب إليه عمر رسالته الشهيرة في القضاء، تلك التي تُعد من أعظم النصوص الإسلامية المبكرة في أصول العدالة، ومما جاء فيها: "آسِ بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك".

لم يكتبها عمر إلى رجلٍ عادي. كتبها إلى من يثق أنه قادر على تنزيل هذه المبادئ في الواقع. وهذا الاختيار وثيقةُ ثقةٍ بقدر ما هو وثيقةُ فقه.

السؤال الذي غيّر الزمن: أبو موسى ومولد التقويم الهجري
وفي زحمة الفتوح وأعباء الولاية، كان أبو موسى يدير من البصرة شؤون مدينة لا تنام: مراسلات تصل وتصدر، وأوامر تُنفَّذ وتُراجَع، وجيوش تتحرك في جبهات متعددة. وكانت الدولة الإسلامية في عهد عمر تمر بمرحلة مؤسسية حاسمة: الانتقال من جماعة إلى دولة، ومن قبيلة إلى إمبراطورية.

وفي سنة سبع عشرة من الهجرة — أي في السنة الثالثة أو الرابعة من خلافة عمر — وصلت إلى مكتب أبي موسى في البصرة رسالةٌ من عمر. وكان فيها ما يكون في رسائل الولاة والأمراء من الأوامر والتوجيهات. لكن الرسالة كانت مؤرَّخةً بشهر شعبان فحسب، دون أن تُذكر السنة.

وقف أبو موسى أمام هذا التاريخ الناقص. أيُّ شعبان هذا؟ شعبان الذي انقضى، أم شعبان الذي نحن فيه؟ إن كانت الأوامر من عام مضى، فثمة ما ينبغي أن يُتصرف فيه بطريقة مختلفة. وإن كانت من العام الحالي، فالأمر سواه.

والأمر لا يتعلق برسالة واحدة. كانت المراسلات الرسمية كلها تُشير إلى الأشهر وحدها، دون أن تُحدد العام. فكان الالتباس يتراكم، والأخطاء الإدارية تتولد، وكان كل والٍ يحمل من مكتبه رزمة من الرسائل لا يعرف بالضبط متى كُتبت.

فكتب أبو موسى الأشعري إلى عمر رسالته التاريخية:

"يا أمير المؤمنين، تأتينا كتب قد أُرِّخ بها في شعبان، ولا ندري أيُّ شعبان هذا، أهو في السنة الماضية أم في السنة الحالية؟"

وطلب أن يُقرَّر وسيلةٌ لاحتساب السنين، يُرجَع إليها في التواصل الرسمي بين مراكز الدولة.

الرسالة بسيطة في لغتها، عميقة في أثرها.

فاستدعى عمر كبار الصحابة وشاورهم: من أين نبدأ التاريخ؟ قال قومٌ: من مبعث النبي ﷺ. وقال آخرون: من وفاته. وقال غيرهم: من يوم هجرته إلى المدينة. فانعقد الإجماع على الهجرة، لأنها البداية التي فرّقت بين الحق والباطل، وبين الاستضعاف والتمكين. ثم تشاوروا: بأيِّ الأشهر نبدأ؟ قال بعضهم: رمضان. ثم رأوا أن المحرم أَولى، لأنه منصرَف الناس من حجهم، وهو أوَّل شهر حرام في السنة العربية. فاجتمعوا على المحرم.

وهكذا وُلد " التقويم الهجري" في سنة سبع عشرة من الهجرة، ليصبح التقويم الرسمي للدولة الإسلامية، والمرجع الذي يُتداوَل اليوم على امتداد مليار وأكثر من المسلمين في كل أرجاء الأرض.

والذي أشعل هذه الشرارة كان سؤالًا بسيطًا من والٍ في البصرة، اسمه عبد الله بن قيس الأشعري.

ثمة دروس عميقة في هذه القصة. الأول: أن التحولات الكبرى في التاريخ لا تبدأ دائمًا بمعارك أو خطب حماسية. تبدأ أحيانًا بسؤال إداري عملي يطرحه رجلٌ أمين يرى خللًا ويُبادر إلى الإشارة إليه.

والثاني: أن أبا موسى لم يتجاوز الإشكال ولم يُقرّر وحده. كان يمكنه أن يفترض، أن يُقدِّر، أن يتصرف بما يراه. لكنه آثر الرجوع إلى الخليفة والعمل بالنظام. وهذا ليس ضعفًا، بل هو أدقّ ما يعنيه الانضباط المؤسسي في دولةٍ تُبنى على الشورى.

والثالث — وهو الأعمق — أن التقويم الهجري ليس أداةً للتأريخ وحسب. إنه هوية الزمن الإسلامي. وكل مسلم يكتب اليوم تاريخًا بالهجرة، ويُحدد رمضانًا، ويعرف موعد الحج، يدين دون أن يعلم بسؤالٍ طرحه والٍ تهاميٌّ في البصرة قبل أربعة عشر قرنًا. سؤالٌ كُتب على ورقة، فحوّل الزمن.

الحملة الأولى: فتح الأهواز وطرد الهرمزان (17-18 هـ)
وبعد أن رسّخ أبو موسى قدميه في البصرة، جاء الأمر من عمر: تحرك نحو الأهواز.

والهرمزان لم يكن خصمًا عاديًا. كان أحد كبار الأمراء السبعة في الدولة الساسانية الفارسية، وكان قد قاد جناحًا في القادسية، وظل بعد الهزيمة الكبرى يشن غاراته من خوزستان على العراق الإسلامي، مدعومًا من يزدجرد الثالث الذي كان يحلم باستعادة ما فقده.

انطلق أبو موسى من البصرة ومعه جنده من الأشاعرة التهاميين وأهل الثغر، فصدم قوات الهرمزان وطرده من الأهواز. وهذا الفتح الأول — الذي يبدو في المصادر خاطفًا — لم يكن بسيطًا في حقيقته؛ فقد أفقد الهرمزان قاعدته الأماميّة، وأجبره على التراجع إلى تستر حيث سيواجه ما سيواجه. وهكذا كانت كل ضربة من ضربات أبي موسى تُعيد رسم خريطة المقاومة الفارسية من جديد.

السوس: مدينة دانيال النبي تسقط بالحيلة لا بالدم
بعد الأهواز زحف نحو السوس، عاصمة الأخمينيين القديمة، المدينة التي يقول أهلها إن فيها قبر دانيال النبي عليه السلام. وكانت السوس مدينةً ذات تاريخ وروح وكبرياء، وقد حصّنها أهلها وأعدوا لها.

لكن أبا موسى لا يشتري النصر بالدم وحده حين يجد ثمنًا أرخص. فكان من أهل تستر رجلٌ فارسي أسلم اسمه سياه، وكان من أشجع أهل زمانه. وقال سياه: إن الكهنة يقولون إن هذه المدينة لا يفتحها إلا من خرج على دينه. وأنا قد خرجت على الزرادشتية حين دخلت الإسلام، فأنا الذي يفتحها.

فأذن له أبو موسى. تظاهر سياه بأنه أُصيب وسقط في لباس ضابط فارسي أمام الأسوار في الفجر الباكر. وحين فتح الحرس الباب ليحملوه داخلًا، اندفعت قوة المسلمين. فُتحت السوس وفُتح معها باب نحو عمق فارس لم يكن موصدًا بعد ذلك.

في هذا المشهد يتجلى أبو موسى على حقيقته العسكرية: عقلٌ يفكر قبل أن يضرب، ويستثمر ما لدى الخصم قبل أن يُرسل رجاله إلى المجهول.

تستر: ثمانية عشر شهرًا على أحصن قلاع فارس
ثم جاءت تستر. وما تستر إلا ذروة العسكرية الساسانية في خوزستان. مدينةٌ تحيط بها قنوات الماء من كل جانب: قناة الأردشيراغان المسماة باسم مؤسس الدولة الساسانية، وقناة الشاميرام نسبةً للملكة الأسطورية سميراميس، وقناة الداراياغان نسبةً للملك الأخميني داريوس الأول. تاريخٌ محصَّن بالماء!

وكانت قلعةً صمدت أمام أعداء كثيرين قبل المسلمين. وفيها الهرمزان بما تبقى له من رجال وعزيمة وأمل في النجدة.

ضرب أبو موسى الحصار. أمدّه عمر بقوات من الكوفة بقيادة عمار بن ياسر، فصار الحصار مزدوجًا من البصرة والكوفة. ودار القتال عنيفًا خارج الأسوار. اضطر الفرس إلى الاعتصام بحصونهم. واستمر الحصار ثمانية عشر شهرًا.

ثمانية عشر شهرًا! ليست مجرد أرقام في سجل المعارك. هي ثمانية عشر شهرًا من التخطيط اليومي لإمداد جيشٍ كبير في أرض معادية، ومن منع الإمدادات عن العدو، ومن الصبر الذي لا يعرفه إلا من يقاتل لله لا للغنيمة.

ثم جاء المنشق الفارسي: "سينا" أو "سيناه" كما تسميه المصادر. ذهب إلى النعمان بن مقرن وقال: أنا أريك مدخل المياه فتدخل منه. فاتفقوا. وتسللت قوة صغيرة من المقاتلين عبر مصرف المياه ففتحوا البوابات الداخلية، فاندفع الجيش يملأ الأزقة.

وحين وجد الهرمزان نفسه في القلعة الأخيرة، قاوم ما أمكنه. ثم نزل مستسلمًا على حكم عمر. فأرسله أبو موسى مع أنس بن مالك إلى المدينة — لم يقتله، لم ينتقم، لم يُذلّه — بل أرسله إلى سيادة القانون.

وهناك، أمام عمر في المدينة، جرت قصة من أشهر قصص العدل الإسلامي. أسلم الهرمزان في النهاية، وبقي في المدينة مستشارًا معترفًا به. وكان أبو موسى هو من أمسك بخيوط نهاية هذا الفصل كله.

وفي خزائن بيت المال التي وجدوها في تستر، حكى الرواة أنهم وجدوا ستين جرةً مختمةً، في كل جرة عشرة آلاف، ووجدوا كتابًا في صندوق قديم، فنُقل إلى عمر فاستدعى كعب الأحبار وقال له: انظر فيه. فلما نظر قال: فيه سيرتكم وأموركم ودينكم ولحون كلامكم وما هو كائن بعد. رجلٌ ميت في خزينة مغلقة يحمل كتابًا يتنبأ بالفاتحين قبل أن يأتوا. ومَن جاء ليفتح؟ رجلٌ من تهامة اسمه عبد الله بن قيس.

جنديسابور: آخر القلاع تسقط
بعد تستر، زحف أبو موسى على جنديسابور، آخر مدن خوزستان ذات الثقل العسكري، التي كانت في الوقت نفسه مركزًا للعلم الطبي في الإمبراطورية الساسانية. مدرسةٌ وقلعةٌ في آنٍ واحد. ولم تصمد طويلًا؛ فاستسلمت وقبلت الصلح مقابل الجزية.

وبسقوطها اكتملت السيطرة الإسلامية على خوزستان كلها. وكان أبو موسى الأشعري التهامي هو المحرك لهذا الإنجاز الجيوستراتيجي الهائل: من الأهواز إلى السوس إلى تستر إلى جنديسابور. ولاية واحدة، ومسرح عمليات يمتد مئات الفراسخ.

نهاوند: "فتح الفتوح" وأبو موسى في قلبها
ثم جمع يزدجرد ما بقي له من قوة. مئة ألف مقاتل — وقيل أكثر — تحشّدوا في نهاوند، آخر جمعٍ منظم للإمبراطورية الساسانية الجريحة. وأعلن يزدجرد: إن هذه المعركة هي المعركة الحاسمة.

فأطلق عمر خطته الكبرى: هجوم منسق من ثلاثة محاور. من الكوفة جاء حذيفة بن اليمان. ومن المدائن جاء النعمان بن مقرن. ومن البصرة جاء أبو موسى الأشعري بجيش الثغر الجنوبي.

سُميت نهاوند "فتح الفتوح"، وبها انتهت المقاومة الساسانية المنظمة إلى الأبد. فرّ يزدجرد إلى المرو عاجزًا عن جمع جيشٍ جديد. وكان أبو موسى أحد ركائز هذا اليوم الفاصل في تاريخ العالم.

أصبهان: قلب الإمبراطورية في يد رجلٍ من تهامة
اختار عمر بن الخطاب أصبهان أولى مراحل الاختراق الكبير في عمق فارس، وكان لاختياره منطق عسكري عبقري: أصبهان كانت قلب الإمبراطورية، وشريان التواصل بين الحاميات الساسانية في الأقاليم المختلفة. فتحها يعني قطع الأوردة.

وحين زحفت الجيوش وكسرت الجيش الساساني خارج المدينة، وبدأ الحصار، كان أبو موسى الأشعري هو من وصل بجيوش البصرة الجديدة لتُعزز الحصار وتُحكمه، حتى استسلمت المدينة.

وحين اقترب من أصبهان، خرج إليه أهلها يعرضون الجزية ويطلبون الصلح. فنظر أبو موسى فيهم، وقرأ ما وراء كلماتهم. قال: ليسوا صادقين. ظل يقظًا. وحين أطلقوا هجومهم المباغت، لم يُفاجأ، فانخرط في المعركة انخراط المستعد لها وانتصر قبل أن تنتصف النهار.

وقال عنه ابن منده: "افتتح أصبهان زمن عمر". وقال ابن إسحاق: "سار أبو موسى من نهاوند ففتح أصبهان سنة ثلاث وعشرين".

قلب الإمبراطورية الفارسية فُتح بيد رجلٍ ولد في تهامة، بين وادي رماع ووادي زبيد.

قم وكاشان وما وراءهما
ولم يتوقف المد عند أصبهان. فقد أُضيف إلى سجل أبي موسى ما يتعلق بمناطق قم وكاشان وجنوب كرمانشاه، إما بقيادته المباشرة أو بأمرٍ منه لقادة أرسلهم، كالأحنف بن قيس الذي أرسله للمناطق الشرقية. وأصبح اسم أبي موسى الأشعري في تلك الحقبة مرادفًا لكل تقدم يخرج من البصرة نحو الشرق.

الرها وسميساط: من الخليج إلى الفرات
وكأن الجغرافيا لم تكفِ هذا الرجل المدى، فشارك أبو موسى أيضًا في فتح الرها وسميساط في أعالي الفرات، على الحدود السورية-التركية اليوم. قيل ذلك في سنة ثماني عشرة هجرية. وهذا يعني أن دوره العسكري لم يكن أسيرَ جبهةٍ بعينها، بل كان يتحرك بحسب احتياج الدولة: جنوبًا إلى خليج العرب، وشرقًا إلى قلب فارس، وشمالًا إلى أعالي الفرات.

مضيق هرمز وجزيرة أبو موسى: حين يُخلَّد الاسم في الجغرافيا
وفي خضم هذه الحملات الكبرى، تجول أبو موسى في المنطقة البحرية بين العراق وسواحل فارس. والثابت في المصادر العربية أنه أقام في جزيرةٍ صغيرة عند مدخل مضيق هرمز عام 643م — أي نحو 22 هجرية — قبيل حملاته على فارس الداخلية، فحملت الجزيرة اسمه منذ ذلك اليوم إلى هذه اللحظة. وهذه الجزيرة هي إحدى الجزر الإماراتية الثلاث التي تحتلها إيران.

جزيرة أبو موسى

جزيرةٌ لا تتجاوز مساحتها ثلاثة عشر كيلومترًا مربعًا، تقع عند مدخل مضيق هرمز، حيث تمر أكبر ناقلات النفط في العالم اليوم. بينها وبين إمارة الشارقة نحو ستة وخمسون كيلومترًا، وبينها وبين الساحل الفارسي سبعون كيلومترًا. وهي بهذا الموقع تُشرف على ممرٍ بحري يمر منه ما يقارب أربعين بالمئة من تجارة النفط العالمية.

لماذا أقام فيها أبو موسى؟ لأنها كانت في تلك الجبهة البحرية ما كانت البصرة في الجبهة البرية: نقطة مراقبة، وموضع إمداد، وبوابة استراتيجية. ومن يُؤمّن مضيق هرمز يُؤمّن الخاصرة الجنوبية لكل ما يجري في الداخل الفارسي.

وقد سعت إيران عام 2013م إلى تغيير اسم الجزيرة إلى "الغدير"، في محاولةٍ لطمس هويتها العربية الإسلامية. لكن خرائط العالم لا تزال تكتب: جزيرة أبو موسى. اسمٌ علّقه في الجغرافيا رجلٌ من أشاعرة تهامة قبل أربعة عشر قرنًا، ولم تستطع كل قوى العالم المجتمعة أن تمحوه بعد.

وفي الجزيرة تلال صخرية تحمل أسماء عربية: جبل محروقة، وجبل حارب، وجبل سليمان، وتل العماميل. كلها أسماء عربية نقشها الوجود الإسلامي المبكر في صخور تلك الجزيرة. وأعلى هذه التلال كان يُسمى "جبل الخلوة" — فهل كان أبو موسى يجلس فيه بين المعارك يقرأ القرآن وحده؟ لا يبعد ذلك عن رجلٍ قيل فيه إنه كان يُقرئ الناس بعد الفجر ويتلو في الليل وحده.

القائد: خمسة أنماط لا تخطئها عين
من مجموع هذه الأخبار والمعارك، تتشكل صورة واضحة لعقلية عسكرية متميزة.

الصبر الاستراتيجي: ثمانية عشر شهرًا على تستر لم يجعله يستعجل الاقتحام قبل أن تنضج أسبابه.

الاستخبار البشري: في السوس وتستر وأصبهان، كان يُحوّل المنشقين والمتعاطفين من داخل الخصم إلى أسلحة تفوق في أثرها أحيانًا جيوشًا بأكملها.

التنسيق متعدد المحاور: لم يعمل وحده قط. في تستر نسّق مع الكوفة، وفي نهاوند مع الجيوش الأخرى، وفي أصبهان مع الأحنف.

القراءة النفسية للخصم: حين رأى أهل أصبهان يعرضون الجزية وقلوبهم تُبيّت غير ذلك، رأى ما لم يُقل.

الرحمة بعد النصر: الهرمزان أُرسل أسيرًا لا مقتولًا. وجنديسابور قُبلت منها الجزية ولم تُقتحم. وهذا ليس ضعفًا، بل فقهٌ في إدارة ما بعد المعركة.

القاضي والفقيه والمقرئ
ولا ينبغي أن تطغى أخبار الفتوح على الجانب الذي كان أبو موسى فيه ربما أكثر أصالةً وأعمق أثرًا: جانب العلم.

قال عنه الشعبي: "قضاة الأمة: عمر، وعلي، وزيد، وأبو موسى". هذه الشهادة تضعه في الرفّ الأول من عقول الصدر الأول. وقال الأسود بن يزيد: "لم أرَ بالكوفة أعلم من علي وأبي موسى". وروى نحو ثلاثمائة وستين حديثًا، وله في الصحيحين نحو تسعة وأربعين حديثًا.

ومن لطيف ورعه في العلم أن ابنه أبا بردة كتب عنه أحاديث. فلما اكتشف ذلك محا ما كُتب وقال: "خذ كما أخذنا". لا يريد أن تُنقل سنة النبي ﷺ من صحيفة كُتبت دون ضبطٍ تام. هذا هو الورع الذي لا يُدّعى، بل يُعاش.

الزهد: من يملك الدنيا وهو لا يريدها
تصفه التراجم بأنه كان قصيرًا، خفيف الجسم، خفيف اللحية، صوّامًا قوّامًا، زاهدًا عابدًا. وهذه الصفات ليست للتجميل السردي، بل لفهم الرجل من داخله.

كان يلبس السراويل احتياطًا للستر في الصلاة. وكان يجتهد في العبادة اجتهادًا شديدًا. وحين خرج من البصرة بعد عزله — وقد حكم ثغرًا، وقاد جيوشًا، وفتح مدنًا — خرج بستمائة درهم فحسب.

قالها ابنه أبو بردة يُقسم على ذلك: ما خرج حين نُزع عن البصرة إلا بستمائة درهم من عطاء عياله.

ستمائة درهم. وهو الذي دخلت تحت حكمه ثروات خوزستان وغنائم تستر وخزائن الهرمزان. رجلٌ لا تغيّره الدنيا حين تُقبل، ولا يحزن عليها حين تُدبر.

الفتنة الكبرى: الشجاعة التي لا يعرفها الجمهور
وحين عصفت الفتنة الكبرى بالأمة بعد مقتل سيدنا عثمان رضي الله عنه، كان سيدنا أبو موسى في موضع الاختيار الأصعب. اختار الكفّ عن القتال بين المسلمين.

وهذا الاختيار تعرّض للتشويه كثيرًا، حتى صُوِّر بعض المصوّرين وكأنه جبنٌ. لكن الحق أنه كان اجتهادًا أخلاقيًا وسياسيًا يقوم على تغليب المفسدة الكبرى على المكاسب الجزئية. شاركه في هذا الاجتهاد آخرون من كبار الصحابة رأوا أن دخول الأمة في الاحتراب الداخلي شرٌّ لا تُعرف عواقبه.

واختيار علي رضي الله عنه لأبي موسى حكمًا في التحكيم يردّ بنفسه على من يُشكّك في هيبته ومكانته؛ لأن عليًا لن يختار لمهمةٍ بهذا الثقل رجلًا خفيفًا ساذجًا.

أراد أبو موسى في التحكيم شيئًا واحدًا: إيقاف الحرب بين المسلمين، وردّ الأمر إلى الشورى. وهذا ليس ضعفًا، بل موقفٌ يحتاج من الشجاعة ما لا يحتاجه الدخول في المعركة.

فليست كل شدة حكمة، وليست كل مشاركة بطولة. أحيانًا يكون أعلى الشجاعة أن ترفض الدم حين يكون الدم هو ما يطلبه الجميع.

الرحيل: خفيفٌ من الدنيا ثقيلٌ في الميزان
اختلف الرواة في سنة وفاته: فقيل 42 هجرية، وقيل 44 هجرية، وقيل غير ذلك. واختلفوا في موضع الوفاة: فقيل الكوفة، وقيل الثوية بقربها، وقيل مكة.

لكنهم اتفقوا على أنه في آخر عمره كان على ما كان عليه طول عمره: شديد العبادة، قليل الالتفات إلى الدنيا، مستعدًا للموت بقلبٍ حاضر.

وهكذا رحل أبو موسى كما عاش: خفيفًا من الدنيا، ثقيلًا في الميزان.


---

المصادر الرئيسية: سير أعلام النبلاء للذهبي — الطبري في تاريخه — البلاذري في فتوح البلدان — دائرة المعارف الإيرانية (Encyclopaedia Iranica) — ويكيبيديا الإنجليزية في مادة Abu Musa وSiege of Shushtar وMuslim conquest of Khuzestan — موقع إسلام ويب — موقع المفسر — مصادر الجزيرة الجغرافية والسياسية.