بقلم د/ عبدالوارث الشكلة

في خضم النقاشات الدائرة حول مسودة الوثيقة التهامية، برزت بعض الأصوات التي اختارت أن تبتعد عن جوهر المشروع وأهدافه الجامعة، لتنشغل بتأويلات ضيقة واتهامات لا تخدم إلا إضعاف هذا الجهد الوطني الجامع. ومن بين تلك الطروحات ما أُثير حول مسمى "مكون المرأة المستقلة"، في محاولة لتشويهه وربطه بأفكار دخيلة لا تمت لواقع تهامة ولا قيمها بصلة.

إن الحديث عن "المرأة المستقلة" في سياق الوثيقة التهامية لا يعني بأي حال من الأحوال وجود امرأة "غير مستقلة" بالمعنى الذي يحاول البعض تصويره، بل هو توصيف تنظيمي يعكس تمثيل شريحة من النساء غير المنتميات إلى أحزاب أو تكتلات سياسية، لضمان مشاركة أوسع وأكثر تنوعاً في صياغة الرؤية التهامية. فالمقصود هنا هو الاستقلال عن الأطر الحزبية، وليس الانفصال عن القيم أو الهوية أو المجتمع.

ومن المؤسف أن يتم القفز إلى استنتاجات خطيرة، واتهام هذا المكون بأنه "بذرة لبث سموم" أو "مشروع لهدم المجتمعات"، دون أي دليل أو قراءة موضوعية للنصوص والسياق. فمثل هذه الطروحات لا تعكس حرصاً على المجتمع، بقدر ما تعكس تخوفاً غير مبرر من أي دور فاعل للمرأة خارج القوالب التقليدية.

إن المرأة التهامية، عبر التاريخ، كانت شريكاً أصيلاً في بناء المجتمع، حاضرة في ميادين العمل، والتربية، والصبر في وجه التحديات. ولم يكن دورها يوماً هامشياً حتى يتم اختزاله أو التشكيك فيه اليوم. بل إن تمكينها وإشراكها في صياغة مستقبل تهامة هو امتداد طبيعي لدورها، وليس خروجاً عن الثوابت.

كما أن ربط أي حضور نسائي مستقل بمشاريع خارجية أو أجندات مشبوهة، هو تبسيط مخلّ ، يتجاهل وعي المجتمع التهامي وقدرته على التمييز بين ما يخدمه وما يضره. فتهامة ، برجالها ونسائها، قادرة على حماية هويتها، وفي الوقت ذاته منفتحة على تطوير أدواتها في العمل المشترك.

إن الوثيقة التهامية، في جوهرها، مشروع جامع يسعى لتمثيل كل مكونات المجتمع، دون إقصاء أو تهميش. وأي محاولة لتفكيك هذا التماسك عبر إثارة قضايا جانبية أو بث الشكوك، إنما تخدم عرقلة هذا المسار، لا تقويمه.

ختاماً، فإن النقد البناء مرحب به، بل ومطلوب لإنجاح أي عمل وطني، لكن الفرق كبير بين النقد المسؤول، وبين الطرح الذي يقوم على التخوين والتخويف. فليكن الحوار في إطار الاحترام، ولتكن مصلحة تهامة فوق كل اعتبار، بعيداً عن المزايدات التي لا تبني وطناً ولا تحفظ كرامة.