قلعة "الطائف" بالدريهمي: حارسة ساحل تهامة وشاهدة الصمود ضد الكهنوت
٢٥ أبريل ٢٠٢٦0
على واجهة البحر الأحمر، حيث تتكسر الأمواج على رمال مديرية الدريهمي، تقف قلعة "الطائف" بأجزائها المتبقية كجبلٍ أشم لا ينحني. هي ليست مجرد أحجار مرصوصة، بل هي سفر تاريخي مفتوح، يحكي قصة مقاومة أبناء تهامة للإمامة الكهنوتية، وشاهد عيان على حقبة من الصراع بين إرادة الحرية وسياسة البطش.
و تعتبر قلعة الطائف من أهم المعالم الأثرية في تهامة، وتكتسب أهميتها من رمزيتها النضالية. ففي العقود الأولى من القرن الماضي، وعندما سعت الإمامة لبسط نفوذها على تهامة مستخدمة سياسة التنكيل والفتك لإخضاع الشعب، اصطدمت طموحاتها بصخرة صلبة تمثلت في قبيلة الزرانيق.
تأسست هذه القلعة على يد قائد حركة المقاومة آنذاك، الشيخ أحمد فتيني جنيد، الذي اختار ربوة مرتفعة على الساحل لتكون حصناً عسكرياً منيعاً. بُنيت القلعة لتؤدي دورين محوريين صد القوى المعتدية القادمة من البحر و حامية عسكرية لمواجهة حملات الإمامة التي حاولت اختراق حدود القبيلة الممتدة من الطائف وصولاً إلى بيت الفقيه.
فسجل التاريخ معارك شرسة دارت رحاها بين أبناء القبيلة وقوات الإمامة التي كان يقودها آنذاك الأمير أحمد حميد الدين (قبل أن يتولى الإمامة). لم يستطع "أحمد" دخول منطقة الطائف أو السيطرة على قلعتها إلا بعد سنوات طويلة من الحروب الموثقة، سطر خلالها التهاميّون أروع صور الاستبسال في وجه الكهنوت.
"كانت القلعة هي المعقل الرئيس والقلب النابض للمقاومة، ومن أسوارها تكسرت هيبة الحملات الإمامية لسنوات."
و بعد سقوط القلعة نتيجة فارق الإمكانيات وحصار الإمامة، حوّلها الإمام أحمد إلى محمية خاصة به، وأضاف إليها ملحقاً من الجهة الشرقية، كما اتخذ من طابقها العلوي استراحة له خلال زياراته للمنطقة.
وفي مفارقة تاريخية، شهدت هذه القلعة في عام 1934م حدثاً سياسياً بارزاً، وهو توقيع "اتفاقية الطائف" الشهيرة، لتتحول القلعة من ساحة حرب إلى طاولة مفاوضات رسمت ملامح سياسية لتلك الحقبة.
اليوم، وبينما تقاوم القلعة عوامل التعرية والإهمال، تظل أطلالها تذكّر الأجيال المتعاقبة بتضحيات الآباء. إنها ليست مجرد معلم سياحي، بل هي رمز للهوية التهامية الرافضة للاستبداد.
إن الحفاظ على ما تبقى من قلعة الطائف هو واجب وطني بامتياز، لتبقى هذه القلعة شامخة، تروي للبحر وللعالم حكاية شعب "الزرانيق" الذي لم يقبل يوماً بغير الحرية بديلاً.