على سواحل الخوخة الشمالية، حيث تلتقي رمال تهامة بزرقة البحر الأحمر، كانت أصوات "النجر" تمتزج برائحة الخشب المنشور لتشكل ملامح مهنة بحرية تقليدية عُرفت بها منطقة البقط في عزلة القطابا شمالي مديرية الخوخة بمحافظة الحديدة.
واشتهر أبناء المنطقة لسنوات طويلة بصناعة القوارب الخشبية التقليدية، التي شكلت عصب الحياة للصيادين ومصدر رزق لعدد كبير من الأسر الساحلية. وكانت هذه القوارب تُصنع يدوياً بمهارة متوارثة جيلاً بعد جيل، مستخدمين أنواعاً مختلفة من الخشب وأدوات بسيطة مثل المناشير الكبيرة والمحافر والمسامير الخشبية.
وتنوعت القوارب التي يصنعها الحرفيون بين "الصنابيق" و"الهواري"، حيث كانت تختلف أحجامها بحسب استخدامها؛ فبعضها مخصص للصيد بالقرب من الشاطئ، بينما يستخدم بعضها الآخر للغوص أو التنقل بين الجزر والسواحل.
ومن أبرز النماذج التقليدية التي عُرفت في المنطقة قارب "الأبجر"، الذي ظل لسنوات طويلة وسيلة أساسية يعتمد عليها الصيادون في رحلاتهم البحرية. إلا أن كثيراً من هذه القوارب أصبحت اليوم مهجورة ومتهالكة مع مرور الزمن.
وشهدت هذه المهنة خلال العقود الأخيرة تراجعاً كبيراً نتيجة دخول القوارب الحديثة المصنوعة من مادة الفيبر جلاس، والتي تتميز بخفة وزنها وانخفاض تكاليف صيانتها مقارنة بالقوارب الخشبية التقليدية.
ومع انتشار هذه القوارب الحديثة، تخلّى كثير من الصيادين عن القوارب الخشبية، الأمر الذي أدى إلى اندثار تدريجي لمهنة النجارة البحرية التي اشتهر بها أبناء البقط، واتجاه الأجيال الجديدة إلى أعمال أخرى.
ويستذكر كبار السن في المنطقة تلك الأيام التي كانت فيها أصوات الحرفيين تعلو على الشاطئ منذ الصباح، بينما كانت القوارب الخشبية تصطف على الرمال بانتظار موسم الصيد.
وفي ظل هذا التراجع، يدعو مهتمون بالتراث البحري التهامي إلى توثيق هذه الحرفة التقليدية وحفظ تاريخها، باعتبارها جزءاً من الهوية الثقافية لسواحل تهامة، وشاهداً على مهارة الحرفيين الذين حولوا الخشب يوماً إلى قوارب تعانق البحر.